النويري
189
نهاية الأرب في فنون الأدب
الحروب إلى نوّاب الملك عنه ، وإلى مقدّمى الجيوش والسّرايا ، فليتوخّ الإيجاز والألفاظ البليغة الدالَّة على القصد من غير تطويل ولا بسط يضيّع المقصد ، ويفصل الكلام بعضه من بعض ، ولا تهويل لأمر العدو يضعف به القلوب ، ولا تهوين لأمر يحصل به الاغترار . وذكر لذلك أمثلة من إنشائه . قال : فمن ذلك صورة كتاب أنشأته إلى مقدّم سريّة كشف - ولم أكتب به - وهو : لا زال أخفّ في مقاصده من وطأة ضيف ، وأخفى في مطالبه من زورة طيف ، وأسرع في تنقّله من سحابة صيف ، وأروع للعدا في تطلَّعه من سلَّة سيف ، حتى يعجب عدوّ الدّين في الاطَّلاع على عوراته من أين دهى وكيف ؟ ويعلم [ أنّ « 1 » ] من أوّل قسمته الَّلقاء حصل عليه في مقاصده الحيف « 2 » ؛ أصدرناها إليه نحثّه على الركوب بطائفة أعجل من السّيل ، وأهول من الليل ، وأيمن من نواصي الخيل ؛ وأقدم من النّمر ، وأوقع على المقاصد من الغيث المنهمر ، وأروغ في مخاتلة العدا من الذئب الحذر ؛ على خيل تجرى ما وجدت فلاه ، وتطيع راكبها مهما أراد منها سرعة أو أناه ؛ تتسنّم الجبال الصّمّ كالوعل « 3 » ، وإذا جارتها البروق غدت وراءها تمشى الهوينا كما يمشى الوجى « 4 » الوجل وليكن كالنجم في سراه ، وبعد ذراه ؛ إن جرى فكسهم ، وإن خطر فكوهم ؛ وإن طلب فكالليل الذي هو مدرك ، وإن طلب فكالجنّة التي لا يجد ريحها مشرك ؛ حتى يأتي على عدوّ الدّين من كل شرف ،
--> « 1 » هذه الكلمة ساقطة من الأصل ؛ وقد نقلناها عن حسن التوسل . « 2 » في الأصل : « بالحيف » ؛ والباء زيادة من الناسخ إذ لا مقتضى لها في هذه العبارة . « 3 » الوعل بكسر العين وسكونها : تيس الجبل . « 4 » الوجى بكسر الجيم : من الوجى بفتحها ، وهو الحفا أو أشد منه .